الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

28

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

قلنا قبل هذا في تفسير سورة الرعد أيضا ، فإن هذا التعبير إشارة لطيفة إلى قانون الجاذبية الذي يبدو كالعمود القوي جدا ، إلا أنه غير مرئي ، يحفظ الأجرام السماوية . وقد صرح في حديث رواه حسين بن خالد ، عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، أنه قال : " سبحان الله ! أليس الله يقول : بغير عمد ترونها ؟ " قلت : بلى ، قال : " ثم عمد ولكن لا ترونها " ( 1 ) ( 2 ) . وعلى كل حال ، فإن الجملة أعلاه أحد معاجز القرآن المجيد العلمية ، وقد أوردنا تفصيلا أكثر عنها في ذيل الآية ( 2 ) من سورة الرعد . ثم تقول الآية في الغاية من خلق الجبال : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ( 3 ) . إن هذه الآية التي لها نظائر كثيرة في القرآن ، توضح أن الجبال وسيلة لتثبيت الأرض ، وقد تثبت هذه الحقيقة اليوم من الناحية العلمية من جهات عديدة : فمن جهة أن أصولها مرتبطة مع بعضها ، وهي كالدرع المحكم يحفظ الكرة الأرضية أمام الضغوط الناشئة من الحرارة الداخلية ، ولولا هذه الجبال فإن الزلازل المدمرة كانت ستبلغ حدا ربما لا تدع معه للإنسان مجالا للحياة . ومن جهة أن هذه السلسلة المحكمة تقاوم جاذبية القمر والشمس الشديدة ، وإلا فسيحدث جزر ومد عظيمان في القشرة الأرضية أقوى من جزر ومد البحار ، وتجعل الحياة بالنسبة للإنسان مستحيلة . ومن جهة أنها تقف سدا أمام العواصف والرياح العاتية ، وتقلل من تماس الهواء

--> 1 - تفسير البرهان ، المجلد 2 ، صفحة 278 . 2 - إن الذين اعتبروا الآية أعلاه دليلا على نفي العمد مطلقا لابد لهم من التقديم والتأخير في الآية ليقولوا : إن أصل الجملة كانت : خلق السماوات ترونها بغير عمد ، وهذا خلاف الظاهر قطعا . 3 - " تميد " من ( الميد ) أي تزلزل الأشياء واضطرابها اضطرابا عظيما ، وجملة ( أن تميد بكم ) في تقدير : لئلا تميد بكم .